حتي لا تموت الروح
(رواية من الواقع )
علاء سعد حسين
- والأرواح عند أھل السنة لا تموت ،
وإنما یموت الإنسان بمفارقة الروح للأبدان ،
وإنما الروح تبقى عند ربھا إما في
اھل النعیم ،
وإما في أھل العذاب أعاذنا لله من ذلك ،
كتاب الروح لابن قیم الجوزیة ص ٥٩
، ولقد
اختار الكاتب ھذا
العنوان ككنایة عن إحیاء ذكرى بطلة الروایة رحمھا لله .
******************************************************
إهداء
إلى روح منال
التي سألتني یوما أن أهدي لها أحد أعمالي أو أخصصه لها
، فأجبتها أنني قد أهدیتها روحي وعمري فكلي ملك لها ..
إلى التي أهدتني هي حیاتها وشبابها وعمرها كله ، وجعلت
من نفسها فداء لي
التي أعطتني كل شيء ولم أعطها سوى كلمات رقیقة إما
على الورق أو على مسامعها .. لقد كانت كلها كلمات
صادقة ، لكني كذبت في إهداء عمري لها .. حین صدقت
هي وأهدتني عمرها كله ..
إلى زوجتي وحبیبة قلبي منال نور الدین رحمها الله تعالى
رحمة واسعة ، وجمعني بها في مستقر رحمته ..
)()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()()(
- الروح تعشق قبل القلب دائما...
والأذن تعشق قبل العین أحیانا
أعترف بأنني قد أحببت الحب ،
فلو سألتني عن أحب شيء لنفسي في هذه الحیاة ،
لأجبتك دون
تردد : الحب
..
الحب هو أحب شيء لدي في هذه الحیاة ..
فالحب عندي قیمة علیا تنبثق منها كافة القیم الإنسانیة النبیلة ،
والحب الذي أعرفه وأحبه هو
حب من صنع الله خالق الأكوان ،
وهو العاطفة أو القیمة الوحیدة التي أضافها الله تعالى إلى
نفسه سبحانه ،
فجعله أي الحب من صنع الله ،
هو سبحانه الذي یصنعه ،
وهو تعالى الذي
ینمیه ،
وهو – تقدست أسما
ؤه - الذي
یؤلف بین القلوب علیه ،
فیقول تعالى ) ومن آیاته أن
خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إلیها ،
وجعل بینكم مودة ورحمة ( الروم ٢١ .. ویقول لنبیه
موسى علیه السلام ) وألقیت علیك محبة مني ولتصنع على عیني (طه ٣٩
، ویقول لنبیه محمد
صلى الله علیه وسلم ،
)
لو أنفقت ما في الأرض جمیعا ما ألفت بین قلوبهم ،
ولكن الله ألف
بینهم ( الأنفال ٦٣ .. ،
ویقول للمؤمنین ) عسى الله أن یجعل بینكم وبین الذین عادیتم منهم
..
مودة ،
والله قدیر ،
والله غفور رحیم( الممتحنة ٧
فالحب عاطفة ربانیة تنبع من الله تعالى وتنتهي إلیه) والذین آمنوا أشد
حبا لله( البقرة ( قل
إن كنتم تحبون الله فاتبعوني یحببكم الله ) آل عمران ٣١ ،
( فسوف
یأتي الله بقوم یحبهم
ویحبونه )
ولكن انتظر .. فما
الذي جعلني أسترسل في هذا الحدیث الطویل عن الحب ؟؟؟
آه .. لعلني أردت
أن أعرفك على قیمة الحب في حیاتي ،
ولكن عذار يا صدیقي ،
فأنا لا أنوي
الكلام عن نفسي في السطور المقبلة ،
وٕانما سأحدثك عنها هي ..
فهي التي تستحق الحدیث .. كل
الحدیث ،
والوصف .. كل
الوصف ،
فلم تكن بنتا كأي بنت ،
ولا فتاة كأي فتاة ،
ولا امرأة كأي امرأة ..
ماذا یمكنني أن أقول عنها ؟
ربما بحثت عن وصف ،
أو أوصاف ،
مرات عدة ،
ولكني لم أجد ما أستطیع أن ألخص وصفها
به ،
فلأترك إلیك یا صدیقي تلك المهمة ..
أحدثك عنها ،
ثم اترك لك مهمة وصفها بنفسك بما تجده في نفسك من معا ن وأفكار ..
لكنني مضطر للحدیث عنها من خلالي أنا بالطبع ،
فأنا الذي عایشتها ،
فهي وٕان تكُ قصتها
هي في الحقیقة ،
فإنها ستبقى أبدا قصتنا معا ..
ربما انفردت هي بأجزاء من فصولها ،
وربما انفردت أنا بأجزاء
أخرى من فصول الروایة ،
لكننا
في الأعم الأغلب سنكون معا ..
كنت في حاجة ماسة إلى الحب ،
الذي جبلت على تقدیره واحترامه ،
واعتباره مركزا
یدور حوله
الكون ،
وبدأت أبحث عن الحب ،
كان ذلك حتى قبل سن البلوغ ..
لم أكن أعتقد أن في مظهري العام ما یمكن أن یغري بالحب ،
لم تكن لي أدنى ثقة في نفسي في
هذا الجانب على وجه الخصوص ،
ولم أدرِ حتى یومنا هذا ،
ماذا في مظهري أو شكلي الخارجي
یمكن أن یجذب الجنس الآخر إليّ ؟
.. قالت لي فیما بعد أن عینیي واسعتان ،
وأن نظاراتي الحییة المتسللة هي
سر جاذبیتي ..
قد یكون !! لم
یتسن لي أن أسمع هذا الرأي من غیرها ،
ولم أسمع في حیاتي امرأة
سواها ..
لو صدقت شهادتها ،
لكان ذلك هو سر ما قابلني من متاعب صغیرة ،
قبل أن أعرف الحب ..
حسبي أنني رغم حاجتي الماسة إلى الحب ،
ورغم إلحاح فكرته على خاطري ،
لم أبدأ أبدا
بمحاولة ..
لعلي استجبت تحت ضغط إلحاح العیون مرة ،
أو مرتین ..
ولعلي عرفت وتجاهلت ثم تشاغلت ،
ثم لم أعد أقوى على المقاومة ،
رغم أن التي أحبتني ..
عفوا ،
الأدق أن أقول : إن
التي ظننتها أحبتني ،
لم تكن هي الروح التي أبحث عنها ،
ومع ذلك
فقدت مقاومتي أو كدت أفقدها تحت إلحاح وملاحقة ،
حتى تمكنت أخيرا من الاستعلاء ،
ولم
یكن ذلك الاستعلاء یا صدیقي من زهد أو رهبنة ،
أو أزدراء للمرأة أو تسام عنها ،
لكن الفتاة
لم تكن الروح التي بدأت تسكن وجداني وتتشكل في خیالي ..
من هي صاحبة هذه الروح ؟
لا أعرف ..
ما اسمها ؟
.........
أین تكون
..........
لم أكن أعرف عنها شیئا .. غیر أنني كنت متأكدا من أن طیفها یملأ قلبي ، ویفسد عليّ أي محاولة بعیدا عنها كنت قد سمعت ، عن أخت لصدیق .. وآه من
أخوات الأصدقاء ، وأرجو یا صاحبي ألا تظن لحظة واحدة أنني من هذا النوع
الذي یتسلل إلى القلوب عبر الأصدقاء ، فلكل أصدقائي شقیقات على كل شكل
ولون ، لكن صدیقي الذي أحدثك عنه ، كان له شقیقة .. سمعت مرة همهمة حرجة
على استحیاء وتكتم ، تصدر عن بعض أصدقائنا المشتركین : أن تلك الشقیقة
حالة فریدة من الجدیة والالتزام الزائد عن الحد ، والذي ربما یناسب رجلا ،
لكن لا یصح أن یقترن أبدا بفتاة .. حیث الرقة والعاطفة و ... .. ربما
كانت هذه الهمهمات هي أول دقة عبرت إلى قلبي الظمآن إلى الري .. كانت
همهمة مهمة ورحلت إلى حال سبیلها ، وكنت في مرحلة لا تسمح لي مجرد التفكیر
بالارتباط ، فأنا طالب وما أدراك ما الطالب .. ثم إن بیوت الأصدقاء
بالنسبة لي مقدسة .. حرمتها من حرمة بیتي إن لم تكن أشد .. ذات مرة روى
صدیقنا ( محمد عبد السلام) : أنه في ظلمة لیلة من لیالي الشتاء السوداء
القاتمة ، كان صاعدا الدرج إلى عصام ، وبجواره انسل مخلوق ، أیقن لا محالة
أنه من عالم الجن أو أي عالم آخر ، لأن المخلوق الذي انسل من جواره صاعدا
الدرج بسرعة فائقة ، لم یكن یبدو منه شیئا في الظلام ، بل لعله كان
متدثرا بالسواد ، أو هو على ما یبدو مخلوق من هذه المخلوقات السوداء التي
لا لون لها .. كاد صدیقنا أن یقطع النفس وأشیاء أخر ، ولم یدر كیف صعد
الدرج بعد ذلك إلى شقة صدیقه ، وعندما دلف إلى الصالون ، ولاحظ عصام شحوبه
الذي كاد یؤدي بحیاته ، سأل عن حاله ، فروى له كیف أنه أ رى عفریتا من
الجن ، رأه رأي العین یصعد الدرج كالریح المرسلة ، فضحك عصام حتى كاد
یستلقي على ظهره من الضحك .. ثم زاد في رعبه قائلا له : - فعلا إن بیتنا
مسكون بالعفاریت ... حیث احترقت فیه امرأة حتى الموت من قبل ، و ان
عفریتها ما یلبس یظهر حینا بعد آخر .. لكنه على كل حال عفریت لا یؤذي ..
هو فقط یزور المكان الذي احترقت فیه المرأة ویمضي إلى حال سبیله ، كما
رأيته أنت اللیلة ولم یحاول أن یؤذیك .. وصدق ( محمد عبد السلام ) القصة
فأخذ یسردها علینا ، بعدما أقسم بأغلظ الأیمان ألا یخطو إلى بیت عصام خطوة
واحدة بعد الآن ، فهو لم یتعود بعد على لقاء العفاریت .. وبعد التقصي عن
حقیقة العفریت ، عرفت ان هذا العفریت هو شقیقة عصام بنقابها وجدیتها
وسرعتها على الدرج ، ولعلها هي نفسها كانت خائفة وهي تعدو إلى شقتها من ذاك
الصاعد في حلكة الظلام ، ولم یكن درج البیت مضاء بمصباح واحد ، وكان
البیت نفسه قدیما مظلما لا منور فیه یطل على السلم ، ولا نافذة ، ولا منفذ
من نور .. حتى كان یشق علینا نحن الشباب صعوده لیلا إلا بشق الأنفس ..
كانت تلك هي الدقة الثانیة التي حفرت نقطة أخرى من نقاط حرف ) الحاء ( على
شغاف القلب .. ثم مضت بنا الأیام .. والطیف الغائم یتشكل على نحو مبهم
في وجداني .. حتى جاء عام دراسي ، كثرت فیه مشاغباتي .. فلتغفر لي یا
صاحبي إنما هي فورة الشباب وحماسة المبتدئین ، وٕاقدام الطامحین .. شاغبت
وشاغب أصحابي ، في أمور وٕان كانت طلابیة ، وٕان كنت أعتقد بعد هذه
السنوات الطوال أنها لم تكن خاطئة على وجه الإطلاق ، وٕانما كانت جرأة
تحتاج إلى ترشید .. دعني أتذكر المناسبة ، أو قل المناسبات التي كانت تفتح
شهیتنا للمشاغبة .. كنا أیامها في مطلع التسعینات ، في العام الأول من
ذاك العقد الممتلئ بالأحداث ، ولقد كان الحدث الكبیر الذي یحیط بنا ، هو
إقدام صدام حسین على احتلال د ولة الكویت الشقیقة .. لا یخفى علیك أننا
یومها لم نكن مع صدام ولا مع غزو العراق للكویت ، بل كانت قلوبنا مع أهل
الكویت وشعبه وأبنائه .. غیر أننا كنا بنفس القدر الذي نرفض فیه الاحتلال
.. كنا نرفض أیضا السماح لقوات التحالف بقیادة الأمریكان النزول بالخلیج
العربي وتولي مهمة إخراج العراق من الكویت ، كنا نراها خطة مدبرة لإستنزاف
أموال الخلیج وٕامكاناته المادیة الهائلة ، وكذا إستنزاف قوة العراق
العسكریة .. كنا نراهما ( المال والقوة العسكریة ) عصب حضارة إسلامیة أو
عربیة على وشك الشروق .. كنا نمثل إذن جبهة طلابیة وشبابیة رافضة ، ولم
یكن هذا هو السبب الوحید لمشاغباتنا ، بل كان السبب المباشر هو شؤون
طلابیة بحتة ، لا أحب أن أشغل بالك بها عن موضوعنا الأساسي .. لقد شاغبنا
، واستحققنا من الدولة أن تهذبنا ، أو أن تعید تهذیبنا ، وأظنه لا یخفى
علیك معنى ذلك ، فالسجن تهذیب وٕاصلاح !! وكنا وقتها شبابا جامعیا على
مشارف التخرج ومعانقة الحیاة ، وكان لابد لنا قبل ذلك من تهذیب وٕاصلاح
.. كان سجننا في فصل الشتاء ، ولیالي الشتاء طویلة باردة ظلماء ، ولیالي
الشتاء في السجن أكثر طولا وأشد ظلمة ، وأعمق كآبة .. غیر أنه قد یدهشك إن
أنا أخبرتك أن ( أبي زعبل) كان من أهم الأماكن التي زرتها في حیاتي ،
وأن لیالیه الطویلة الكالحة ، كانت بالنسبة لي من أسعد لیالي العمر ، أو
أنها كانت المدخل لأسعد أیام حیاتي كلها .. تحت وطأة الظلم والظلمة یمكن
أن تتغیر بعض النفوس ، لاسیما تلك التي لم تؤهل نفسها لتحمل هذا الموقف
الغامض ، فلا نحن نعرف إلى متى ؟ ولا هل سیسمح لنا بحضور امتحاناتنا
الدراسية أم سیضیع علینا العام ، ونعود من جدید فیلحق بنا من یأتي من
خلفنا ؟ .. في مثل هذه الظروف القاتمة تغیرت نفوس أصدقائي ورفاق الرحلة ،
رحلة الشغب ورحلة التهذیب .. غیر صدیق واحد آنس إلي ، فآنست بالبدیهة
إلیه .. كنا نسمر معا ونحن راقدين متدثرین بذلك الرداء الخشن الشائك ،
وكنت ممن لا یطیقون ملمس الخشونة على جسدي ، فكان النوم یجافیني ، وكان
سمر صدیقي یؤنسني حتى یغلبه النوم ، ومن ثم یغلبني .. ولم أدر لم كان
یكثر صدیقي من الحدیث عن شقیقاته ، خصوصا شقیقتیه الكبیرتین وهما اللتان
تلیانه مباشرة في ترتیب المیلاد .. أكان ذلك لغرض في نفس یعقوب ؟ أم أن
یعقوبنا كان محبا لشقیقتیه ، وكان دائم الحنین إلیهن ، وكان ینفس عن حنینه
هذا معي ؟؟ حكي لي كثيرا عن كبراهما تلك التي كانت تدرس في جامعة
الإسكندریة وتسكن بمدینتها الجامعیة ، وكیف التزمت بطریق الهدایة ، وكیف
أنها شدیدة الجدیة والالتزام ، شدیدة التعلق بالأخلاق القویمة مستقیمة
علیها .. وعاد بنا الحدیث من حیث لا ندري ولا نحتسب إلى ( العفریت ..
(إلى شقیقة عصام ، فهي التي دعتها إلى الالتزام والاستقامة ، وهي التي
أمدتها بالكتب والأشرطة ، وهي التي علمتها كثيرا من الأخلاق والمواقف ،
وهي التي تمثل لها النموذج القویم ، وهي التي تزورها في بلدتها التي تبعد
عن مدینتنا مسیرة عشرين دقیقة بالسیارة الأجرة ، غیر أنها تحتاج ضعف هذا
الزمن من الوقت مشیا على الأقدام إلى موقف الأجرة ذاته .. كان صدیقي
یحدثني ویكثر في الحدیث في ظلمة اللیل حیث لا نلمح طیف امرأة في سجن
یعزلنا عن الدنیا ، ویعزلنا بالتأكید عن الجنس الآخر ، فطیف المرأة له
مفعول أمضى من مفعول السحر ، وذكر المرأة ینكأ جرحاً ، أو بالأحرى يجرح
جرحا ، فلم نجرح من قبل لتندمل جراحنا ثم تنكأ ، وٕانما كانت هي جراح
جدیدة تماما .. كان صدیقي یحدثني كثيرا عن (رتيبة) شقیقته ، وٕ انما كان
الذي یتسرب إلى نفسي كلها فیملأ كیاني كله طیفها .. طیف ( منال ) شقیقة
عصام ، ولیس طیف رتیبة .. فكل حدیث عن أخلاق ) رتيبة) یعرج بي بالتأكید
إلى خلق صدیقتها وداعیتها (منال( وما كان یدري أن حدیثه عن شقیقة عصام في
معرض حدیثه عن رتیبة ، قد بنى في القلب أسوار ، وأضیئت حوله أنوار ، وحرك
في الروح مشاعر ، ما كان لها أن تتحرك في تلك الظروف بالغة الغرابة ..
لم أكن أعرف سنها ولو على وجه التقریب ، وأصارحك یا صدیقي مصارحة ربما
تشمئز بسببها مني .. لقد كانت شقیقة عصام تسبقني في الدراسة .. لذا توقعت
أن تكون أكبر مني سنا ، وهذا أمر مرفوض في قانون الحب الذي كنت أضعه لنفسي
وقتئذ .. ولا یخفى علیك طبعا أنني لم أرها ، ناهیك عن أني طالب ، لست على
أبواب التخرج من الجامعة بقدر ما أنا على أبواب إعادة الإصلاح والتهذیب ،
فأما التخرج من الجامعة فعلمه عند ربي ، وأما الحصول على عمل ، فهذا مما
لا أملك أن أماري فیه مراءا باطنا ولا ظاهرا ، ما كنت في وسط هذه الأجواء
أقنع نفسي أنني أحببت .. لكن الحقیقة أن روحي كانت قد تعلقت بتلك الروح ،
وبدأ الطیف الذي یتشكل في وجداني منذ زمن ینمو ، وبدأت ملامحه تكتمل ..
وخرجنا من مرحلة التهذیب والإصلاح ، وقد حدث لنا ، أو - لي على الأقل -
كثیر من التهذیب والإصلاح ، وعزمت بیني وبین نفسي ألا أعود إلى السجن أبدا
، صحیح أنهم اتهموني بالمشاغبة لاحقا ، كانت المناسبة وقتها مؤتمر مدرید
للسلام ، أو لعله كان اتفاق غزة أریحا ، الذي كان یسمیه الطلاب وقتها
سخریة : باتفاق ( عزة مدیحة) ولم أكن شاغبت ، فهربت .. وكان هروبا صعبا
محفوفا بالمخاطر ، ولكنني كنت قد أصررت على عدم العودة ، فما نلته من
تهذیب وٕاصلاح یكفیني ، وهي على العموم فریضة على المستطیع مرة في العمر ،
طالما أنه سیتزود منها بزاد یبقیه في نفسه طیلة حیاته فلا یتجاسر على
المشاغبة مرة أخرى .. فما هي قیمة التنفل بعد أداء الفریضة الواجبة !!!
خرجنا من جامعة أبي زعبل للإصلاح والتهذیب ، ثم تخرجت بعد ذلك في الجامعة
.. وبدأت أشق طریقي في الحیاة ، وكان قد سكنني الحب ، وما ا زل الطیف الذي
تشكل یحتویني ویملأني ، غیر أنني ما كنت أصارح نفسي بذلك للصعوبات التي
ظننتها أمامي في الطریق .. كنت ممن یحرصون على الجمع بین الحب والزواج ،
أو لم أكن أرى طریقا للحب غیر الزواج ، وعشقت الحدیث الشریف : لم یر
للمتحابین مثل الزواج .. وأحببت بیتا للشعر یقول شطره الأخیر : فعجبت كیف
یموت من لا یعشق!!! فالعشق داء وهو الدواء .. وحتى لا یكون العشق داء
عضالا ممیتا ، فلابد له الدواء من ذاته ، وهو الجمع بین العشیقین في
الحلال ، أي الزواج .. وهكذا وجدت نفسي أبحث عن سبل الزواج ، وأتخلى عن
أحلامي العریضة في غزو الصحراء ، و... و .... و .... من أجل أن أتم مشروع
الزواج .. لم تكن ثمة إمكانات .. لا لم تكن .. بل كان هناك فضول إمكانات
.. نعم بالضبط مثل فضلات تبقت من طعام جید على مائدة نظیفة ، ما تبقى من
فضول الطعام كان نظیفا صالحا ، لكنه لا یعدو كونه فضلا تبقى .. وطمعت في
هذا الفضل ( فضل ا زد) .. شقتي عبارة عن بقیة مما ترك الأولون من أجدادي
وفضل مال .. قد یصلح أن یكون زكاة عن مال جید .. وكانت هذه هي عدتي للزواج
.. ورغم ذلك مضیت في الطریق إلى الزواج .. كان هناك تحد قائم ، بل ثمة
تحدیات .. مَن تلك الفتاة التي تقبل بمثل هذا الفضل للزاد ؟ ومَن هي تلك
الأسرة التي ترضى بمثل هذا الوضع ؟ شریطة أن تكون أسرة محترمة ذات سمعة
طیبة وصیت حسن ، ومستو اجتماعي مكافئ لمستوى أسرتنا الاجتماعي ، وهو مستوى
بالمناسبة جید !! وأن تكون الفتاة ذاتها طیبة من تلك الفتیات التي یحلم
بالارتباط بها عشرات الشباب ! نسیت أن أحدثك عن عقدة حیاتي ، لعلي تناسیت
الحدیث عنها حتى لا أثقل علیك ، أو حتى أظل متجملا أمامك .. غیر أنه من
الأمانة إذا أردت حقیقة أن تعرف من هي ( منال ) ، أن أحدثك عن تلك العقدة
النفسیة التي سیطرت علي تماما ، والتي كانت تسیطر كذلك على أسرتي بل على
عائلتي جمیعا ، لتدرك بعد ذلك مدى قسوة الامتحان وصعوبته التي ستوضع فیه أي
فتاة تقبل الارتباط بي .. في الماضي القریب ، كان لي قریب من هؤلاء
الشباب الرائع الذي یصلح نموذجا وقدوة لأمثالي من صغار السن ، وكان شابا
طموحا متدینا ناجحا في عمله ، میسور الحال ، وكان قد ارتبط بفتاة هي
الأخرى قریبة لنا ، رأت فیه نموذج الشاب الناجح الذي یسعدها بشبابه بقدر ما
تسعدها إمكاناته المادیة المیسورة ، وكان لها هي الأخرى أحلام .. كانت
ممن یحببن زینة الحیاة الدنیا وملذاتها ، وكانت بالاختصار المفید ، ترید
أن تعیش حیاتها وفق هواها وتصوا رتها وأحلامها .. ولم یكن لقریبي ذاك أدنى
اعتراض غیر ما تفرضه الأصول والأعراف في حدود ضیقة بسیطة .. حتى حدث
التحول الكبیر في حیاة قریبي .. لم یكن تحولا سیئا بالجملة بقدر ما كان
تحولا مبهما .. كان الزمن هو النصف الأخیر من عقد السبعینات ، وكان شباب
الجماعات الإسلامیة یملأ جامعات مصر ، وبدأ من تخرج منهم في الجامعات
الاحتكاك بالمجتمع والتأثیر فیه ، وكان منهم من احتك بقریبي وأثر فیه ،
وبدأ قریبي یدرك أن في الدین ضوابط وحدودا ، تتفوق في كثیر من الأحیان على
تقالید المجتمع وعاداته وأع ا رفه .. بدأ یعرف شیئا عن فرض الحجاب على
المرأة ، وبدأ یطالب خطیبته .. التي هي قریبته أیضا .. أن تستر جمالها
وتتحجب ، وبدأت تتشكل لدیه رؤیة مخالفة للحیاة في ضوء ضوابط وقیم دینیة ،
لم تكن مكتملة في نفسه من قبل .. وأنا هنا لست بصدد مناقشة هل كانت هذه
الأفكار صائبة أم كانت تجنح نحو الغلو .. لكن الذي حدث أن ثمة تغييرا
جذریا حدث في شخصیة قریبي ذاك ، وأنه بالمقابل لم یحدث أي تغییر في شخصیة
خطیبته ، إلا النفور من ذلك الشخص الجدید الذي لم تقترن به ولم توافق علیه
یوم وافقت على الخطبة من شخص بدا لها الیوم أنه مختلف تمام الاختلاف ..
صحیح أن الاسم هو الاسم ، والشكل هو الشكل ، والوضع المادي والاجتماعي هو
نفسه ، غیر أن المضمون كان قد تغیر بالكامل ، تغیر في الاتجاه المضاد ..
حدثت أزمة ، وتفاقمت الأزمة ، لأن الخلاف هذه المرة لم یكن خلافا معتادا
بین أهل خطیبین على أثاث أو مهر أو نفقة ، وٕانما كان خلافا بین مذهبین في
الحیاة .. كان الأمر جدیدا على الواقع الاجتماعي ، وزاده تعقیدا علاقة
القرابة والنسب التي تربط الجمیع ، وأصبح في فض هذه الخطبة ، نوع من زعزعة
الاستقرار في أسر أخرى داخل العائلة الكبیرة .. مرت هذه الفترة بمرها
وآلامها .. وانفصمت تلك العلاقة .. واستقر حال العائلة على الوضع الجدید
بعد كثیر من الاهتزازات والاضطربات ، ثم راهن الجمیع على تلك التي سیرتبط
بها قریبي وفقا لأفكاره ومیوله الجدیدة .. كان الجمیع ضده ، لا لأنه أخطأ
، ولكن كانوا ضده بقدر غرابة ما یحمل من أفكار لم تتسلل من قبل إلى
محیطنا الاجتماعي .. وكنت أنا معه .. كنت وحدي في تلك المعركة ، وكنت
صغيرا لا یأبه أحد لرأيي، لكن كانت هناك داخلي شخصیة تتبلور وتنمو ..
وارتبط قریبي بفتاة أخرى من خارج محیطنا العائلي والاجتماعي ، وٕاذا شئت
قلت مرتاحا ، وخارج نطاقنا القیمي أیضا .. وكان هذا هو أول احتكاك
للعائلة بفتیات المساجد .. والحقیقة یا صدیقي أن عائلتنا حملت ظلما بینا
لفتیات المساجد من جراء هذه العلاقة .. ربما لم تكن تلك الفتاة من
المواظبات على المساجد ، وربما كانت حدیثة عهد بالتدین ، ولعلها كانت من
أسرة ذات اتجاهات معینة انطبعت بداخلها فلم تتمكن من التخلص من رواسب
التربیة هذه في فترة انضمامها للمسجد .. أستطیع أن أقول : أنها كانت فتاة
محجبة وكفى .. لكنهم قاسوها بمقیاس أنها امرأة داعیة ، يحصون علیها
حركاتها وسكناتها ، ویلتمسون لها الأخطاء ، في زمن ركز فیه الإعلام على
سلبیات كل ما هو دیني ، وكل من هو متدین .. وهناك بون شاسع بین فتاة في
أول الطریق تتلمس معالمه ، وبین داعیة تدخل في عائلة تناصبها العداء مسبقا
، تقیس حركاتها وسكناتها .. وتعد علیها أنفاسها .. فكیف لفتاة بمثل هذه
الظروف أن تحول هؤلاء المتربصین بها إلى أحبة متفتحي القلوب لها !! إنها
في الحقیقة كانت مأساة .. صنعتها عائلتنا .. أو صنعتها ظروف عائلتنا ..
وتشربتها ، تشربت هذه المأساة وأنا في بدایة سن المراهقة .. تشربتها حتى
سیطرت على نفسیتي تماما .. وتشربت معها أن نموذج المسلم الملتزم قد أسيء
تقدیمه إلى محیطنا الاجتماعي ، أسيء تقدیمه بحسن نیة من جانب ، وتربص
ومراهنة على سقوطه من جانب آخر ..__ ..
